السيد محمد الصدر

217

تاريخ الغيبة الصغرى

فكان لا بد لها - كجزء من التخطيط - أن تمر بتربية طويلة الأمد من كلتا هاتين الناحيتين . فكان أن تكفل الأنبياء هذه المهمة ، وهي تربية البشرية لتكون صالحة لفهم العدل الكامل . فكان كل نبي يشارك مشاركة جزئية قليلة أو كثيرة في ذلك ، سواء علم الناس ، بذلك في عصره أو جهلوه . لأن المهم هو تربيتهم الفكرية ، وليس المهم التفاتهم بوضوح إلى هذا التخطيط . وهذه التربية قد انتهت ، واستطاعت البشرية - في نهاية المطاف - أن توفر الشرط الأول ، فأصبحت قابلة لفهم الأطروحة العادلة الكاملة ، فأرسل اللّه تعالى إليها تلك الأطروحة متمثلة بالاسلام . وبذلك تحقق الشرط الأول . ولم تستطع البشرية إلى حد الآن أن توفر الشرط الثاني وهو استعدادها للتضحية في سبيل تطبيق العدل ، وهي على أي حال في طريق التربية على ذلك . وكان كل نبي بطبيعة الحال ، بما فيهم نبي الإسلام ( ص ) يقرن تربيته الفكرية للناس بالتربية على الشرط الثاني أيضا بمعنى إيجاد الاخلاص والاستعداد للتضحية في نفوس البشر . فكانت مشاركة الأنبياء في التربية الأولى متمثلة بما بلغوا من أحكام ، وكانت مشاركتهم في التربية الثانية متمثلة بما قدموا من تضحيات ودماء . إلا أن التربية الأولى أنتجت نتيجتها الكاملة ، على حين لم تنتج التربية الثانية نتيجتها إلا في القليل من الناس . وذلك لمدى الضغط والاغراء الذي يواجهه الناس نحو الانحراف من داخل نفوسهم وخارجها ، على طول خط التاريخ ، مما يجعل الحق في أفواههم مرا وتحمل العدل عليهم صعبا . . وينتج في نهاية المطاف بطء التربية على الاخلاص وصعوبتها . النقطة الثانية : لم يكن الأنبياء ليسكتوا عن تبليغ الناس ، بشكل وآخر ، بالغرض الأساسي من إيجاد البشرية . متمثلا بإعلامهم أن هناك يوما يأتي في مستقبل الزمان يسود فيه العدل الإلهي المطلق ويرتفع فيه كل ظلم وجور . ولا زلنا نسمع صدى هذا التبليغ متمثلا باعتقاد عدد من الديانات السماوية بذلك وايمانها به ، وإن اختلفت في تسمية القائد الذي يتولى ذلك التطبيق الكبير . ولكن حيث لم يكن هذا اليوم الموعود بقريب ، ولم يكن قد تحقق الشيء المهم